التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عالم من الكائنات الزجاجية !

  ستعرف قدر هشاشة هذا العالم  عندما تكون كلمة ساخرة مقصودة أو غير مقصودة قادرة على قتل  آمال كاملة أو حتى تحطيم حياة . تعرف هشاشته عندما ترى من هم حولك، لايحتملون، ولايتقبلون أصغر انتقاد عنهم . عالم غير قابل لإبداء الآراء ، لأنه برأي واحد وكلمة واحدة قد تحطم كل شيء . عالم تنتشر فيه قصص تأثير الكلمة والكلمتين. لاتستغرب حينما يكتب أحدهم قصة نجاحه  التي استغرقت سنوات حياته كلها وينسبها ، ينسب هذا الرحلة الطويلة لكلمة قالها أستاذه في الابتدائية، أو أخرى رمى بها صديق أو قريب أكيد أنه لم يكن واعيا بها . مقابل ذلك هناك آخرون صامتون ، على ماهم صامتون عليه .. لايترددون في نسب أي فشل أو خسارة في حياتهم لأمور عابرة جدا مثل هذه .. ولايستنكر عليهم مثل هذا ، كلمة قادرة على تحطيمهم وكلمة أيضا قادرة على إخراج أفضل مالديهم . موجات الاهتمام بالتنمية البشرية التي احتاجها الإنسان المعاصر، كانت سببا،  إنه قد يموت لو لم يتلق جرعات منها من فترة لأخرى وقد جعلته إنسانا فائق الحساسية تجاه النقد، لايعيش سوى هموم آنية بتحقيق ذاته يتم تجريم من يحطمها ولو بكلمة أو أمر غير مقصود!...

مراجعة نقدية لرواية #الحدقي

بين الكتابة التاريخية والكتابة الروائية فرق كبير، وبين الروائي الجيد والمؤرخ الجيد مساحة. تعلق الرواية التاريخية دائما في السرد،  فإما أن ينجو بها من أن تكون نصوصا مملة تسرد التاريخ بعيدا عن الفن الروائي وبدون أن تستطيع القارئ عيش الرواية فيها، وإما أن تنجح وتتجاوز هذه المسافة الشائكة. الحدقي رواية للصحفي والكاتب الموريتاني محمد فال ولد الدّين، يستخدم الديّن مادتين في روايته الأولى وهي- الأهم بنظري – قصة حياة أبو عثمان عمرو بن الجاحظ،والثانية هي قصة كاتب موريتاني يعمل في محطة إخبارية عربية في الدوحة. بشكل عام أظن أن الكاتب لم يوفق في الفصل بين الكتابة الصحفية والكتابة الروائية أو أنه لايمتلك الأخيرة ! تلاحظ في أسلوبه وكأنه يتحدث في تقرير صحفي أو كأنه معلق يتنازل صورة أو مشهدا، لايصف لك الصورة بقدر مايعلق عليها،  وهذا واضح أكثر في جزء الدوحة من الرواية . القصة هي الأسلوب كما يقال.. وقدرة الكاتب على إقناع القارئ   بصدق ومنطقية العالم الذي يبنيه هي مفصل نجاح العمل الروائي، والأسلوب هو كل المكونات التي يصنع بها الكاتب قصته: سرد ، حوار، استعراض ،تشبيه، استعارة،...

مراجعة لكتاب (تغير العقل )

(تغير العقل:  يف تترك التقنيات الرقمية بصماتها على أدمغتنا ) كتاب نشرته المؤلفة سوازن غرينفيلد  في عام 2015 وترجمته إلى العربية سلسلة عالم المعرفة. يتمثل الهدف الرئيس من الكتاب كما تذكر غرينفيلد " في استكشاف الطرق المختلفة التي يمكن أن تؤثر بها التقنيات الرقمية ليس فقط في أنماط التفكير والمهارات المعرفية وإنما أيضا في نمط الحياة والثقافة والتطلعات الشخصية . سوازن سمت كتابها " تغير العقل " قياسا على " تغير المناخ " كما ذكرت في مقابلة مع "الغارديان " حيث تظن أن درجة الخطورة  التي تسببها التقنية على عقولنا توازي مايسببه تغير المناخ  على  الطبيعة من تبعات. جاء الكتاب في مايقارب 350 صفحة مقسمة على 20 فصلا تناول موضوعات تدور حول العقل والتكنولوجيا . ربما لتمر على القارئ العديد من المقالات التي تتناول الوجه السيء من التقنية  والآثار السلبية الاجتماعية والتواصلية لها . لكن ما لفتني في هذا الكتاب أنه يتحدث عن عقولنا قبل وبعد التقنية , مالذي تغيره التقنية في طريقة تعلمنا ؟ وفي مناهج تفكيرنا وفي آلية اتخاذ قراراتنا  ؟ أسئلة مهمة تجيب عنها غرينفلد من خ...

في أن تشارك .

عندما ترجح كفة المجتمع على كفة الفرد يصبح الخطر المحدق بالبشرية ليس في فرط الميول الشخصية بل بالعكس في قلتها | ستيورات ميل . ربما لا ينال أي مصطلح في أيامنا هذه رواجا مثل ما يناله مصطلح   المشاركة , ولا استخداما مثل ما يستخدم.   وربما لو أحصيت المرات التي تستخدم فيها هذا الفعل لما استعطت عد هذه المرات . في الواقع نحن في أزمة مشاركة , نشارك كل شيء ونتشارك كل شيء .   الوفرة في المشاركة والتشارك إن لم يكن لها غاية فقد تصبح هي الغاية . المشاركة في العالم الافتراضي تختلف عن المشاركة الواقعية , هي أقرب وأكثف وأدق , نحن كل يوم نشارك تفاصيل نحتاجها و لا نحتاجها ونتشارك تفاصيل تهمنا وتفاصيل لاتهمنا . كل يوم نحن نقترب أكثر ونتشارك أكثر . نشارك أفكارنا , نشارك مانأكل ومانشرب . نشارك ما يهمنا ومايعنينا . نشارك سفرنا وإقامتنا , نشارك اجتماعاتنا وأعمالنا , نشارك حتى خططنا وأحلامنا , نشارك الوقت الذي ننام فيه والذي نستقيظ فيه .تفاصيل لاتنتهي نشاركها كل يوم بإرداتنا وبدونها . لايمكن ألا نلاحظ هذا ولا نلاحظ تأُثيره علينا . مالذي تغيره فينا هذه المشاركة المكثفة الم...

انحناءة غوته الخالدة

"Carl Rohling 1887,"The Incident in Teplitz " ما أروع أن يشعر الإنسان ببعض العظمة والاعتداد بالنفس.  بالأمس وبينما كنا في طريق عودتنا إلى البيت قابلنا أفراد العائلة الإمبراطورية في الطريق . رأيناهم قادمين نحونا من مسافة .  وعندما اقتربوا منا سحب غوته يده من يدي لكي ينحني عن الطريق . حاولت كل ما بوسعي ثنيه واقناعه بمواصلة السير .  لكن دون جدوى ! وبينما أنا أمشي قبالة الجميع كنت اضغط قبعتي على رأسي بنزق واحكم إغلاق أزرار سترتي واثني يدي خلف ظهري . ولاحظت أن الأمراء وكبار الحاشية والأعيان افسحوا لي جزءا من الطريق . الارشيدوق (رودولف) رفع قبعته باتجاهي محيينا بينما رفعت الإمبراطورة يدها لي بالسلام ,إذن فهؤلاء الناس العظماء يعرفونني ! هكذا حدثت نفسي .  لكنها كانت لحظة من أغرب اللحظات وأكثرها طرافة عندما رأيت الموكب يمر من أمام غوته بهدوء ولا مبالاة , كان ما يزال واقفا هناك إلى جانب الطريق متكوما على نفسه ونازعا قبعته وخافضا رأسه إلى الأرض بأقصى ما يستطيع « بيتهوفن متحدثا عن موقف حصل أثناء لقائه بغوته في "تبليتسة" . يحمل موقف مثل هذا أهمية ورمز...

القراءة البطيئة وخطر الإندثار

العالم سريع جدا , و كل الأشياء تسعى لمواكبة تسارعه لكن فعل القراءة عندما يخضع لهذا التسارع سيفقد الكثير من معناه  و من مردوده . و لن تكون النهاية سعيدة بالنسبة للقراء . كنت سابقا , أدخل تحديات القراءة في good reads   وفي غيره , 50 كتاب في العام , 70 كتاب   وهكذا ألزم نفسي بعدد معين بالكتب خلال مدة محددة . هناك مايحفزك بالتأكيد أن تنتهي من كمية كبيرة من الكتب في فترة وجيزة , أن تنتقل من كتاب لآخر بهذه المرونة والسرعة . أن لاتمل بسبب بطئك وقضاء وقت طويل في قراءة كتاب واحد . أنك أحيانا تحتاج القراءة السريعة لتثبت أنك منجز ومنتج وأن أجندتك اليومية مليئة بما يكفي . لكن تراث كامل أسماه نيتشه " القراءة البطيئة " معرض للإندثار من دون ترك أي أثر   , أيام نيتشه كان مُعرضا للإندثار , مالذي سيحصل له الآن ؟ ونحن في عصر التكنولوجيا والكتب الالكترونية و ثورة التواصل اللامتناهي !. بالنسبة إلي لم أستطع تجاوز هذا الأمر وبدأت في تحليل العلاقة بين السرعة والمخرجات من عملية القراءة . معيار كتاب في الأسبوع كنت أراه وسطا, كان يناسب أغلب الكتب التي أقرؤها ما بين 200-300 صفحة دون تفر...

فرجينيا وولف و السيدة دالاوي - مراجعة

رغم كل التحفظ الذي ينتابني من قراءة الأدب الأجنبي ورغم كل أسئلتي الملحة : هل نفهمه ؟ هل نستوعبه ؟ وشكي في ذلك . إلا أن تجربة القراءة العميقة تجعلك على يقين من شيء واحد على الأقل : قراءة العمل الأدبي تجربة شخصية لا أكثر نتائجها شخصية ودلائلها شخصية بحتة . عند الحديث عن فرجينيا لايمكن تجاوز براعة  أسلوبها في الوصف , وفي تفرد شخصياتها , السيدة دالاوي واحد من الأدلة على ذلك . ذلك أنها تشدك , ثم تستفزك ليس فقط بواقعية الأحداث التي تبني من خلالها شخصياتها وإنما إن استطعت القول بتفاهة تلك الأحداث وهامشيتها .والإسهاب فيها , جعلها محورية ومركزية على مستويات متفاوتة.مهما وصلت الواقعية في الكتابة إلى مستوى عال من الدقة ومن التطبيق فهي لاتمثل الواقع كما تقول فرجينيا إلا من جهة واحدة , من وجهة الكاتب فقط من الجهة التي تراها عينه . السيدة دالاوي أو كلاريسيا هي محور هذه الرواية وعلاقتها ببيتر هي العقدة -على الأقل هذا مافهمته - .كل الأحداث كانت من زواية ما تعني السيدة دالاوي ,تتناول الرواية يوم واحد في حياة السيدة دالاوي والأبطال الآخرين , يوم واحد فقط امتلأ بكل هذه التفاصيل . تبدأ ...